أخبـــار الـسـاعـــة – بكين تُصعّد بعد مزحة عن ماو تسي تونغ… والخسائر المحتملة تتجاوز حدود اللاعب إلى مصالح كرة القدم الإسبانية في السوق الصينية
تتسع تداعيات الأزمة التي فجّرتها تصريحات النجم الفرنسي كيليان مبابي، مهاجم ريال مدريد، في الصين، بعدما تحوّلت مزحة عن صورة ساخرة مرتبطة بالزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ إلى أزمة تجارية وإعلامية ذات أبعاد دبلوماسية، دفعت شركات صينية إلى إنهاء شراكاتها مع اللاعب، وأفضت إلى تعليق بث مباريات الدوري الإسباني، وسط تحركات مكثفة لاحتواء التداعيات.
من مزحة على الإنترنت إلى أزمة وطنية
بدأت القصة مع مقطع من مقابلة في البرنامج الفرنسي «The Bridge»، تحدث فيه مبابي عن أحد الميمات المفضلة لديه، وهو تركيب ساخر يظهر وجهه على صورة وصفها بأنها لزعيم صيني ديكتاتوري. ورغم أنه لم يسمِّ ماو تسي تونغ مباشرة، فإن الصورة المتداولة أشارت إلى الزعيم الذي يُعد شخصية محورية في التاريخ الصيني الحديث.
وأثار المقطع موجة غضب على منصات التواصل الاجتماعي الصينية، حيث اعتُبرت المزحة مسيئة للرموز التاريخية والوطنية، لتتجاوز القضية حدود الجدل الرياضي وتتحول إلى اختبار لعلاقة النجم الفرنسي بالعلامات التجارية والجمهور الصيني.
ضربة تجارية وإلغاء عقود الرعاية
وجاء الرد سريعاً من شركات صينية كبرى، بينها مجموعة «دونغبنغ» للمشروبات، وشركة «منغنيو» للألبان، وشركة «ميلكغراوند»، التي أعلنت إنهاء تعاونها التجاري مع مبابي، في خطوة تهدد عائداته الإعلانية وتكشف حجم المخاطر التي تواجه النجوم العالميين في السوق الصينية.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن قيمة بعض العقود التجارية المرتبطة باللاعب تُقدّر بنحو 50 مليون يوان، أي ما يقارب 6.7 ملايين يورو، فيما لم تُعلن الشركات عن حصيلة مالية نهائية للخسائر أو التعويضات المحتملة.
ولم تقتصر التداعيات على العقود، إذ طالت القيود المحتوى المرتبط بمبابي على منصات صينية، بينها «ويبو» و«شياوهونغشو»، كما أُزيلت أو تراجعت مواد إعلانية يظهر فيها اللاعب، بحسب تقارير إعلامية.
الليغا في قلب العاصفة… والخطر يتجاوز مبابي
الأخطر في الأزمة أن تداعياتها امتدت إلى كرة القدم الإسبانية نفسها، بعدما أكدت مجموعة الإعلام الصينية الحكومية تعليق بث مباريات الدوري الإسباني، في إجراء يهدد مصالح رابطة «الليغا» وأنديتها في سوق تُعد من الأسواق المهمة للجمهور والرعاية والانتشار التجاري.
وتكمن خطورة الخطوة في أن القضية لم تعد مرتبطة بعقود لاعب واحد، بل باتت تمس العلاقة بين المؤسسات الرياضية الإسبانية والشركاء الإعلاميين والتجاريين في الصين، وسط مخاوف من انعكاس الأزمة على اتفاقات التعاون الحالية والمستقبلية.
ومع أن الحديث عن خسائر بمليارات الدولارات لا يستند حتى الآن إلى رقم معلن يثبت حجم الضرر الفعلي، فإن استمرار تعليق البث أو اتساع المقاطعة قد يرفع الكلفة التجارية على المدى الطويل، خصوصاً إذا امتدت الأزمة إلى عقود الرعاية وحقوق النقل والتسويق.
الخارجية الصينية تدخل على خط الأزمة
ولم تبقَ القضية محصورة في الوسط الرياضي والإعلاني، إذ علّقت وزارة الخارجية الصينية على اعتذار مبابي، وأكد المتحدث باسمها، غو جياكون، أن بكين تأخذ الاعتذار الذي قدّمه اللاعب على محمل الجد.
لكن الموقف الصيني لم يتضمن إعلاناً عن إنهاء الإجراءات أو استئناف البث، ما أبقى الأزمة مفتوحة على مزيد من التطورات، في وقت شددت فيه وسائل إعلام صينية على ضرورة احترام تاريخ البلاد وثقافتها ومشاعر شعبها.
وفي المقابل، اعتبرت جهات إعلامية صينية أن المسألة تتجاوز حرية التعبير الفردية، وأن النادي الذي يمثله اللاعب لا يمكنه التنصل من مسؤولية معالجة تداعيات التصريحات.
مبابي يعتذر… وريال مدريد يلحق به
أمام تصاعد الضغوط، نشر مبابي اعتذاراً بثلاث لغات، هي الفرنسية والإنجليزية والصينية، أقرّ فيه بأن تعليقه لم يكن موفقاً، وأنه أدرك أنه تسبب في جرح مشاعر كثيرين في الصين وبين الجاليات الصينية حول العالم، مؤكداً أن الإساءة لم تكن مقصودة.
كما تحرك رئيس رابطة الدوري الإسباني، خافيير تيباس، لاحتواء الأزمة، مقدماً اعتذاراً عن الإساءة التي تسببت بها تصريحات اللاعب، واجتمع بالسفير الصيني لدى إسبانيا، ياو جينغ، بحثاً عن مخرج يحول دون تضرر العلاقات بين الجانبين.
وفي تطور إضافي، أصدر ريال مدريد بيان اعتذار رسمياً، عبّر فيه عن أسفه لما تسببت به تصريحات لاعبه من انزعاج، مؤكداً احترامه للصين وتاريخها وثقافتها وشعبها، ومشيداً بالملايين من المشجعين الصينيين الذين يتابعون النادي.
هل تنجح الاعتذارات في إنقاذ الموقف؟
رغم الاعتذارات المتتالية، لا تزال الأزمة بعيدة عن التسوية النهائية. فقد رفضت جهات إعلامية صينية التبريرات التي رأت أن مبابي لم يقصد الإساءة، مؤكدة أن استئناف البث يتطلب معالجة تعتبرها مرضية، فيما لم يصدر إعلان رسمي عن رفع التعليق.
وبين خسارة عقود الرعاية والقيود الرقمية وتعليق البث والتحرك الدبلوماسي، يجد مبابي وريال مدريد ورابطة «الليغا» أنفسهم أمام أزمة تتجاوز حدود كرة القدم، وتطرح تساؤلات حول كلفة التصريحات الفردية في الأسواق الدولية، حين تتقاطع الشهرة الرياضية مع الرموز الوطنية والحساسيات السياسية.
وتبقى المسألة الأهم في المرحلة المقبلة: هل تنجح الاعتذارات والتحركات الدبلوماسية في إعادة العلاقات التجارية والإعلامية إلى مسارها الطبيعي، أم تتحول هذه الحادثة إلى أزمة طويلة الأمد تهدد حضور كرة القدم الإسبانية في السوق الصينية؟
موقع أخبار الساعة – Akhbaralse3a
