أخبـــار الـسـاعـــة – وجّه الْمَرْجِعِ الرُّوحِي الْأَعْلَى لطائفة الموحدين الدروز الشَّيْخِ أَبي يُوسُفَ أَمِينِ الصَّايِغ كلمة، جاء فيها: “في مَسارِ التَّارِيخِ، لا تُقاسُ الجَماعاتُ بِحَجْمِها، بَلْ بِعُمْقِ تَجْرِبَتِها، وَبِمَدَى وفائِها لِقِيَمِها، وَصَلابَةِ مَواقِفِها، وَقُدْرَتِها عَلى صَوْنِ هُوِيَّتِها رَغْمَ تَقَلُّباتِ الزَّمَنِ وَعَواصِفِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ”.

أضاف: “إِنَّ طائِفَةَ المُوَحِّدِينَ الدُّرُوز لا تُعَرِّفُها الجُغْرافيا وَلا تُحْصِرُها الخَرائِطُ، بَلْ يُعَرِّفُها مَسارٌ رُوحِيٌّ مُمتَدٌّ وَتَجْرِبَةٌ إِنْسانِيَّةٌ ضارِبَةٌ فِي عُمْقِ الزَّمَنِ. لَقَدْ نَظَّمَتْ عَلاقَتَها بِاللهِ وَالعالَمِ بِوَعْيٍ خاصٍّ، وَبَنَتْ وُجُودَها عَلى مَدَى الزَّمَنِ عَبْرَ تَراكُمِ الحِكْمَةِ وَالبَصيرَةِ، فَتَمَيَّزَتْ بِثَباتِها، وَتَفَرَّدَتْ بِنَقائِها وَصَفائِها”.

وتابع: “نَحْنُ الثَّابِتُونَ عَبْرَ الزَّمَنِ قَدْ حَسَمْنا خِيارَنا مُنْذُ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ عامٍ.

إِسْلامُنا تَسْليمٌ كُلِّيٌّ لِلّهِ جَلَّ وَعَلا، مَذْهَبُنا عَقْلٌ، مَسْلَكُنا تَوْحِيدٌ، هُوِيَّتُنا الِانْتِماءُ لِصِيانَةِ العِرْضِ وَالأَرْضِ. الِانْتِماءُ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ جُذُور. لَيْسَ انْغِلاقًا بَلِ امْتِداد. هُوَ أَنْ تَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ، وَلِماذا أَنْتَ هُنا، وَإِلى أَيْنَ تَمْضِي. المُنْتَمِي لا يَضِيعُ، وَلَوْ تَغَيَّرَتِ الطُّرُقُ، وَلا يَتَلَوَّنُ وَلَوْ تَبَدَّلَتِ الوُجُوهُ. وَلايَنْكَسِرُ، لِأَنَّهُ يَحْمِلُ فِي داخِلِهِ ما هُوَ أَكْبَرُ مِنَ اللَّحْظَةِ، وَأَقْوى مِنَ العابِرِ. وَلَكِنْ…احْذَرُوا انْتِماءً يُعْمِي، وَانْتِماءً يُقْصِي، وَانْتِماءً يُحَوِّلُ الإِنْسانَ مِنْ باحِثٍ عَنِ الحَقيقَةِ… إِلى حارِسٍ لِلْوَهْمِ. فَالِانْتِماءُ الحَقُّ لَيْسَ أَنْ تُشابِهَ غَيْرَكَ، بَلْ أَنْ تَصْدُقَ نَفْسَكَ، لَيْسَ أَنْ تَرْفَعَ شِعارًا، بَلْ أَنْ تَحْمِلَ مَعْنًى”.

وأردف: “يا أَهْلِي، أَيُّهَا الأَحِبَّةُ المُوَحِّدُونَ، إِذا أَرَدْتُمْ هُوِيَّةً لا تُهُزّ، فَابْنُوا انْتِماءَكُمْ عَلى ما لا يَزُولُ، عَلى القِيَمِ قَبْلَ الأَسْماءِ، عَلى الحَقِّ قَبْلَ الجَماعَةِ، عَلى الصِّدْقِ قَبْلَ المَظاهِرِ. حينَها فَقَطْ تُصْبِحُ الهُوِيَّةُ نُورًا لا شِعارًا، وَجِذْرًا لا قَيْدًا، وَحَقيقَةً لا ادِّعاءً. وَتُدْرِكُونَ أَنَّ الإِنْسانَ لا يُعَرَّفُ بِما يَمْلِكُهُ، بَلْ بِما يَنْتَمِي إِلَيْهِ،وَبِما يَنْتَمِي إِلَيْهِ فِيهِ.نَحْنُ الجَماعَةُ الَّتِي عاشَتْ فِي قَلْبِ الأَدْيانِ دُونَ أَنْ تَذُوبَ فِيها،وَحَمَلَتْ سَيْفَ العَرَبِ وَالمُسْلِمِينَ وَقِيَمَ الأَنْبِياءِ دُونَ أَنْ تَرْهَنَ قَرارَها لِأَحَدٍ. كُنَّا وَما زِلْنا لُغْزَ التَّارِيخِ الَّذِي اسْتَعْصى عَلى الكَسْرِ. لَسْنا مُنافِسِينَ لِأَحَدٍ عَلى دِينِهِ، فَنَحْنُ نَرى فِي كُلِّ الأَدْيانِ تَجَلِّيَاتٍ لِلْحَقيقَةِ الواحِدَةِ، غَيْرَ أَنَّنا نَتَمَسَّكُ بِتَقْديرِنا الَّذِي حَفِظَ تَماسُكَنا،وَصانَ وَحْدَتَنا، وَجَعَلَ العامَّةَ وَالخاصَّةَ فِي هذِهِ الطَّائِفَةِ جَسَدًا واحِدًا؛ فَإِذا مُسَّتْ كَرامَةُ واحِدٍ مِنْهُمْ، عَمَّ الغَضَبُ الجَميعَ.لا تَخْطِئُوا فِي قِراءَةِ المُوَحِّدِينَ، لَسْنا أَقَلِّيَّةً تَبْحَثُ عَنْ حِمايَةٍ، بَلْ أَصْلٌ يَمْنَحُ الشَّرْعِيَّةَ لِمَنْ يَحْتَرِمُ وُجُودَهُ. وَلاؤُنا ثابِتٌ لا يَطْلُبُ شَهادَةً مِنْ أَحَدٍ؛ فَنَحْنُ قَلْبُ هذِهِ المِنْطَقَةِ، دافَعْنا عَنْها قَبْلَ أَنْ تُولَدَ الدُّوَلُ الحَديثَةُ، حَيْثُ عُرُوبَتُنا فِعْلٌ لا قَوْل، وَتَوْحِيدُنا عَهْدٌ لا شِعارٌ. السِّياسَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خِطاباتٍ، بَلْ هِيَ أَثَرٌ وَوَعْيٌ رَصِينٌ يَبْنِي الأَوْطانَ. إِنَّ وَثيقَةَ الأَلْفِ وَأَرْبَعِمِائَةِ عامٍ لَيْسَتْ وَرَقَةً سِياسِيَّةً؛ إِنَّها خُلاصَةُ جَماعَةٍ لَمْ تُكْتَبْ هُوِيَّتُها بِالحِبْرِ، بَلْ صَهَرَتْها التَّجارِبُ فِي بُوتَقَةِ الصُّمُودِ. لَقَدْ أَفاضَتْ عَلَيْنا الأَدْيانُ السَّماوِيَّةُ قِيَمَها، فَاسْتَخْلَصْنا مِنْها جَوْهَرَ التَّوْحِيدِ، وَصِغْنا مِنْها مَذْهَبًا يُقَدِّسُ العَقْلَ، وَيَحْمِي العِرْضَ، وَيَصُونُ الأَرْضَ. لَسْنا عابِرِينَ فِي تارِيخِ هذَا الشَّرْقِ، بَلْ أَحَدُ أَعْمِدَتِهِ الَّتِي لَمْ تَزِدْهَا العَواصِفُ إِلَّا تَجَذُّرًا. فَلا تُراهِنُوا عَلى تَشْتِيتِنا؛ فَالهُوِيَّةُ عِنْدَنا لَيْسَتْ وَرَقَةَ تَفاوُضٍ، بَلْ قَدَرٌمَحْتُومٌ. مَصْلَحَتُكُمْ تَبْدَأُ مِنِ احْتِرامِ خُصُوصِيَّتِنا، وَتَنْتَهِي عِنْدَ حُدُودِ كَرامَتِنا. فَلِهذِهِ الطَّائِفَةِ ذاكِرَةٌ جَماعِيَّةٌ لا تَمُوتُ، وَقُدْرَةٌ عَلى التَّحَوُّلِ مِنَ السِّلْمِ المُطْلَقِ إِلَى الدِّفاعِ المُسْتَمِيتِ إِذا مُسَّتْ جُذُورُها وَثَوابِتُها. إِنَّ مصلحتكم السِّياسِيَّةَ الحَقيقِيَّةَ تَبْدَأُ مِنِ احْتِرامِ هذَا الِاسْتِقْلال ِالوُجْدانِيِّ لِلْمُوَحِّدِينَ، لا مِنْ مُحاوَلَةِ شَقِّ صُفُوفِهِمْ أَوْ إِذابَةِ هُوِيَّتِهِمْ فِي مَشاريعَ عابِرَةٍ”.

وتوّجه الى المسؤولين قائلا: “أَيُّهَا المَسْؤُولُونَ، اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لا تُواجِهُونَ أَفْرادًا تَذْرُوهُم رِياحُ المَصالِحِ، بَلْ تُواجِهُونَ جَسَدًا واحِدًا؛ إِذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ فِي أَقاصِي الجَبَلِ، تَداعى لَهُ سائِرُ المُوَحِّدِينَ بِالسَّهَرِ وَالحميةِ. هذَا هُوَ جَمالُنا المُسْتَمَدُّ مِنْ صَفاءِ التَّوْحِيدِ وَصِدْقِ الِانْتِماءِ. مِنْ هُنا نُعْلِنُها بِوُضُوحٍ: الهُوِيَّةُ ثابِتَةٌ وَالسِّياسَةُ مُتَغَيِّرَةٌ. نَمُدُّ يَدَ الشَّراكَةِ لِكُلِّ شَرِيكٍ فِي الوَطَنِ وَالإِنْسانِيَّةِ، لَكِنَّنا لا نَرْهَنُ ثَوابِتَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا لِتَقَلُّباتِ المَصْلَحَةِ الطّارِئَةِ”.

كما توجّه “إِلى أَهْلِنا، أَبْناءِ بَنِي مَعْرُوف، أَنْتُمْ خَزّانُ الكَرامَةِ، وَأَنْتُمُ الَّذِينَ إِذا ادْلَهَمَّتِ الخُطُوبُ اسْتَحالُوا بُنْيانًا مَرْصُوصًا يَذُودُ عَنِ الحِمَى. عامَّتُكُمْ هِيَ خاصَّتُكُمْ فِي الضِّيقِ، وَهِيَ الَّتِي حَفِظَتِ الهُوِيَّةَ حينَ انْشَغَلَ بَعْضُ السِّياسِيِّينَ بِالمَكاسِبِ وَالمَناصِبِ.إِنَّ قُوَّتَنا، الَّتِي اسْتَعْصَتْ عَلَى الكَسْرِ طِوالَ قُرُونٍ، تَنْبَعُ مِنْ رَكِيزَةٍواحِدَةٍ: حِفْظُ الإِخْوانِ. فَهذِهِ القِيمَةُ تُحَوِّلُ الفَرْدَ إِلى أُمَّةٍ، وَتَبْنِي حَوْلَ الهُوِيَّةِ أَسْوارًا لا تَخْتَرِقُهَا الفِتَنُ. مَصْلَحَتُكُمُ الكُبْرى فِي تَكاتُفِكُمْ؛ فِي حِفْظِ الأَخِّ نَجاةٌ لِلهُوِيَّةِ مِنْ شُرُورِ التَّفْرِقَةِ، وَفِي صِدْقِ اللِّسانِ حِصانَةٌ مِنْ خِداعِ السِّياسَةِ”.

وَختم المرجع الصايغ ، قائلا: “لْيَعْلَمِ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ… نَحْنُ قَوْمٌ نَزِنُ الرِّجالَ بِالعَقْلِ، وَالعُهُودَ بِالوَفاءِ. مَنْ أَرادَنا وَجَدْنا فِي طَليعَةِ المُدافِعِينَ عَنِ الحَقِّ، وَمَنْ أَرادَ العَبَثَ بِهُوِيَّتِنا وَجَدَ أَمامَهُ تارِيخًا لا يَلِينُ: ثَبَتْنا حَيْثُ اهْتَزَّ الآخَرُونَ، وَبَقِينا حَيْثُ مَضَى العابِرُونَ…هذِهِ هُوِيَّتُنا، وَهذَا عَهْدُنا، وَهذَا كَلامُنا لِمَنْ يَفْهَم أَنَّ التَّوْحِيدَ لَيْسَ طَقْسًا يُمارَسُ، بَل عَهْدٌ غَلِيظ…وَالسَّلام

موقع أخبار الساعة – Akhbaralse3a

شاركها.