بقلم سليمان جوزيف فرنجيه :
في ذاكرة الأوطان أسماء لا تُقاس بالأيام التي عاشتها، بل بالأثر الذي ترْكته، وأسماء تعبر عتبة التاريخ لتصبح جزءاً من جغرافيا الروح وهوية الأرض. ومن بين تلك القمم الشامخة التي طبعت تاريخ لبنان والعالم العربي بطابع الفضيلة والصمود، يبرز اسم البطريرك الياس الحويك؛ الراعي الذي لم يحمل عصا الرعاية فحسب، بل حمل وطناً بأكمله على كتفيه حين كان العصف يشتد والأفق يضيق.
البدايات: من رحم الأرض الطيبة إلى رحاب الكهنوت
وُلد الياس الحويك في قرية حلتا البترونية سنة 1843، لأسرة متواضعة تشربت الإيمان من تراب الجبل وقساوته. لم تكن طفولته رفيعة المظاهر، بل نشأ على عرق الجبين ومحبة الأرض، وهناك ذابت روحه بصلابة الصخر وطيبة أهل الريف. مال قلبه منذ الصبا نحو الكنيسة، تلقى علومه الأولى في مدرسة القرية ومن بعدها الى مدرسة غزير. لم تكن روما بالنسبة له مكاناً للدراسة الأكاديمية فحسب، بل محطة لصقل رؤيته الكنسية الواسعة، وعاد منها حاملاً رسالة واحدة: أن يبذل ذاته في خدمة رعيته ووطنه، كاهناً، ثم مطراناً، وصولاً إلى سدة البطريركية المارونية سنة 1899.
الراعي الروحي: قلب ينبض بالمحبة والخدمة
لم يكن البطريرك الحويك مسؤولاً إدارياً فحسب، بل كان أباً حنوناً تُشبه رعايته حنو الراعي الصالح على قطيعه. تميزت حريته الروحية باتساع القلب وصلابة المبدأ. عُرف عنه قربه الشديد من الفقراء والمهمشين، وكان يرى في خدمة المحتاجين التجسيد الحقيقي للإنجيل الذي بَشّر به.
أسس رهبانية العائلة المقدسة (للنساء) وساهم في تعزيز حضور الرهبنة المارونية، وشجع العلم والتربية، مدركاً أن الأجيال الناشئة هي وحدها قادرة على بناء الغد. كما ترك بصمات واضحة في بناء الكنائس والأديرة، وتأسيس المدارس المجانية في القرى النائية لئلا يبقى طفلٌ محرماً من نور المعرفة.
رجل الوطن الأكبر: مهندس الكيان والاستقلال
لكن الاختبار الأكبر في حياة البطريرك الحويك جاء مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918). عاش لبنان، وخصوصاً جبل لبنان، واحدة من أقسى محنه: المجاعة التي خطفت أرواح الآلاف، والقهر العثماني المتمثل بالوالي جمال باشا الذي أراد تركيع الشعب وإفراغ الهوية
في تلك الظروف الحالكة، لم ييأس الحويك. تحول القصر البطريركي في بكركي إلى خلية نحل لإغاثة الجياع دون تمييز في الدين أو المذهب. رهن ممتلكات الكنيسة وجمع التبرعات من المغتربين ليشتري الخبز ويطعم الأيتام والأرامل، مستحقاً عن جدارة لقب “أبي الفقراء”.
ومع انقشاع غبار الحرب وإعلان سقوط السلطنة العثمانية، حمل البطريرك الحويك قضية لبنان إلى المحافل الدولية. في عام 1919، ترأس الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح في فرساي بباريس. وبحكمة الدبلوماسي وصلابة المؤمن، طالب بحقوق اللبنانيين التاريخية والجغرافية، ممهداً الطريق لإعلان دولة “لبنان الكبير” في الأول من سبتمبر سنة 1920. لم يكن طموحه سياسياً بالمعنى الضيق، بل كان إيماناً راسخاً بأن لبنان يجب أن يكون مساحة للحرية، والتنوع، والعيش المشترك، وواحة سلام في الشرق.
الإرث الخالد: بكركي منارة لا تنطفئ
رحل البطريرك الياس الحويك في 24 كانون الأول سنة 1931، تاركاً خلفه كياناً حياً ووطناً ينهض من رماد الآلام. لم يكن الحويك مجرد شخصية عابرة في دفاتر التاريخ، بل ضمير أمة وصوت من لا صوت لهم. علّمنا بحياته أن الأوطان لا تُبنى بالكلمات الرنانة، بل بالصبر، والتضحية، والمحبة العميقة التي تتسع للجميع. واليوم، حين يمر لبنان بمخاضات عسيرة، تبقى سيرة البطريرك الحويك بوصلةً ونوراً يذكرنا بأن الإرادة الخالصة القادرة على صناعة الحياة قادرة دائماً على الانتصار على الموت.
